محمد غازي عرابي

1083

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الصوري هو الذي فسرته الأحاديث القدسية والنبوية بالقبضتين والقضاء والقدر السابقين وكون اللّه هو الدهر . هذا على مستوى الطبع الأصلي ، ثم تحدثنا عن كيفية تنفيذ عملية التصوير بصورة دائمة ومستمرة ، ما دامت الخلايا تموت باستمرار ، وكون الجسم الإنساني متغير باستمرار ، متطور من طفولة إلى مراهقة فشباب فرجولة فكهولة فشيخوخة فموت . فالتصوير بحاجة إلى قيومية يقوم بها ، ويستمر بها ، والقيوم هو من تقوم به الأشياء والصفات والأفعال ، ولقد وصف الحق نفسه بأنه فعال لما يريد ، وقال إن له المشيئة السابقة واللاحقة ، أي المشيئة المطلقة ، فالتصوير فرع من أصل هو قوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ . . فمن سمي من الناس مثلا الفاتح كالسلطان محمد فاتح القسطنطينية حقق اسم الفتح وصفته وفعله بفعل دفع إلهي وتوجيه وصفهما الإمام الغزالي قائلا : من جملة القدر خلق حركة في يد الكاتب بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة ، وبعد خلق ميل قوي حازم في نفسه يسمى القصد ، وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك ، فإذا ظهرت من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت قهر التقدير سبق أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت وقالوا يا أيها الرجل قد تحركت ورميت وكتبت ، ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت وما رميت إذ رميت ولكن اللّه رمى . وكنا ذكرنا قصة المولود من الأنصار الذي أتى به النبي ليباركه فقالت عائشة طوبى له يا رسول اللّه فإنه لم يدر الشر ولم يأته ، فقال أو غير ذلك يا عائشة ، إن اللّه خلق الجنة وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وأهلها وهم في أصلاب آبائهم ، ومن هذا المنظور النوراني العلمي قال رسول اللّه في الغلام الذي قتله العبد الصالح الذي صحبه موسى إنه طبع كافرا ، وقال العبد الصالح المكاشف بسر الغيب وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، فأول الأمر طبع النفس بطابع الاسم ، فإذا خرج المولود إلى الحياة بدأت جند اللّه من ملائكة المعقولات تمارس عملها في دماغ الإنسان ، فالمعقول وهو نور إلهي يظل يقذف في الدماغ نوره من جوهره نفسه حتى يتم تحقيق مدلول الاسم وصفته . فما فوق الطبيعة هو المحال بالنسبة للإنسان ، والطبيعة طبع له ووجود ، فهو هوية هي ، وهي هو ، وهو ليست هي ، وهي ليست هو ، وهي ليست سواه ، فلا أعجب من الأنا التجريبية التي اشتقها اللّه من نوره وأودعها رحم الطبيعة ، وقال لها كوني .